محمد بن عمر التونسي

220

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

وبالجملة لا يمكن في دار الفور أن تمتنع النساء عن الرجال ، ولا الرجال عن النساء . بل لا يمكن الرجل أن يحرز ابنته تحت كنفه ولو كان عظيما ، أما إن كان فقيرا فإنه يهان ويؤذى وربما قتل . ومن ذلك ما اتّفق أن رجلا كانت له ابنة ، وكان يغار عليها ، ولا يرضى أن يكلّمها أجنبي . ومن شدّة خوفه عليها كان يقهرها على البيات معه ، في المحل الذي هو فيه ، وكانت من الجمال بمكان . فكان الشباب يأتون على عادتهم إلى بيت أبيها ، فإذا حسّ « 1 » بهم زجرهم ولعنهم وطردهم . فلمّا أعياهم أمره احتالوا عليه ، وأخذوا قرعة مستطيلة قليلا ، تقرب من الشكل البيضىّ ، تنتهى بعنق ، وفتحوها من أعلى ، وأخرجوا لبّها ، وملأوها غائطا وبولا ، وحرّكوه حتى امتزج ببعضه ، وتوجّهوا إلى منزله ليلا ونادوه : يا والدنا ، مر فلانة تأت لنتحدّث معها . فقام على عادته ، ولعن وسبّ وزجر ، فما أفاد ذلك ، بل قالوا له : نحن لا نبرح حتى تخرجها لنا . فاغتاظ منهم وخرج قاصدا طردهم . ومن عادتهم أنهم كانوا إذا سمعوا أنه خارج إليهم ، يفرّون منه لهيبته ، إلّا في تلك الليلة ، فإنهم ثبتوا ، ومسك « 2 » أحدهم القرعة من عنقها ، وكمن له حتى أخرج رأسه ( 198 ) من باب البيت ، فرفع يده بقوة ، وضرب بها « 3 » رأس الرجل بالقرعة ، فانكسرت على رأسه ، وسال الخبث الذي فيها على رأسه

--> ( 1 ) كذا في الأصل : حس بغير همزة ، وسنرى فيما بعد أن المؤلف يستعمل المضارع « أحس » بفتح الهمزة وكلتا الصيغتين عامية . ( 2 ) وكذلك نجد المؤلف يستعمل الصيغة العامية هنا فيقول : مسك ، بدل : أمسك . ( 3 ) كذا بالأصل ، واستعمال « بها » هنا مع لفظ « بالقرعة » أثر من آثار اللهجة السودانية في أسلوب المؤلف .